منتدى الدراسة في بريطانيا

نرحب بك زائرا لمنتدانا ونأمل منك التسجيل لتشاركنا الفائدة والمتعة

منتدى الدراسة في بريطانيا يهتم بكل ما يتعلق بالدراسة في بريطانيا, اللغة الانجليزية, الجامعات البريطانية, القبولات الاكاديمية, قبولات اللغة, الدرجات العلمية , النظام التعليمي البريطاني, السكن في بريطانيا وغيره

اعلانات المنتدى
لتفعيل عضويتك بالمنتدى الرجاء الانتباه الى البريد الوراد او مجلد البريد غير المرغوب به في ايميلك و الضغط على رابط التفعيل
اعلانات المنتدى
تقدم لكم شركة الروافد للخدمات التعليمية خدمة القبولات الاكاديمية وقبولات اللغة في بريطانيا www.rawaffed.com

    يوم في البَرِّيّة (رحلة) بقلم محمد الصادق الخازمي

    شاطر

    كاردف
    مشرف
    مشرف

    عدد المساهمات : 36
    نقاط : 13861
    عضو جيد! : 3
    تاريخ التسجيل : 29/05/2010

    يوم في البَرِّيّة (رحلة) بقلم محمد الصادق الخازمي

    مُساهمة من طرف كاردف في الأربعاء ديسمبر 22, 2010 7:20 pm

    يوم في البَرِّيّة (رحلة)
    محمد الصادق الخازمي


    تشعُرُ في بعضِ الأحايينِ بالضيقِ والسَّأَمِ مِن رتابةِ الحياةِ اليوميةِ التي تعيشُها ، وتَتَمنَّى أنْ تَكْسِرَ هذه الرَّتابةَ بشيءٍ ما ، يُخْرِجُكَ من النظامِ الصارِمِ الذي تسيرُ عليه في كلِّ يوم ، وتُجَدِّدُ نشاطَكَ في شيءٍ مختلفٍ .
    قال لي ذلك الصديقُ : إنْ شئتَ الخروجَ معي إلى البَرِّ فإنَّ عندي شرطاً لا بُدَّ منه ، قلت : هاتِ ، قال : شرطي المبيتُ ، فإِنَّ الخروجَ إلى البَرِّ ثمَّ العودةُ منه سريعاً لا تُرْضي مزاجي ، ولا تَقُومُ بتعبِ الرِّحلةِ ، ولا تَسُدُّ خلّةَ الاستراحةِ فيه ، والاستمتاع بحياةٍ محتلفةٍ هناك ، قلت : وما ضرورةُ المبيتِ ؟ أَلا يكفينا النهارُ بكاملِهِ ، وإنْ شِئْتَ صدراً من الليل ؟ قال : أعرفُ أنَّك حَضَرِيٌّ ، لم تُعَوَّدْ لذَّة الباديةِ ، وليس لي عن شرطي مَزْحَلٌ ، فإن شئتَ به ، فنعم أصحبُكَ معي ، وإِلاَّ فلا تُفْسِدَنَّ عليَّ خروجي . فكَّرْتُ قليلاً ، كيف أقضي ليلةً بدون انترنت ، ومن غير قناةِ الجزيرةِ ، ومن غير رسائلِ المحمولِ ، واتصالاتِ الأصدقاءِ ؟
    ثُمَّ قلت : لا بأس ، فَلأُرِحْ نفسي وذِهني من فوضَى الستالايت ، ورنّات المحمول ، وضجيج السياراتِ ، وصخبِ الناسِ في المدينة ، ولعلَّ في شرطِ الرجلِ خيراً كثيراً ،
    - إنَّ عندي شرطاً .
    - : وما ذاك ؟
    - أنْ تبحثَ لنا عن شيئيْنِ : رفيقٍ ثالث ، وحليب إبلٍ في البادية ، في مدينتي تجدُ بعض َ المحلاتِ التي تبيعُ حليبَ الإبل ، لكنَّ العارفين من أهل الطب ينصحون بحليب الإبل التي تأكلُ من نباتِ الصحراءِ ويرون فيه منفعةً وطباً ، وكنت أُعاني شيئاً من ( الحموضة ) ، فنصحوني بهذا الحليب .
    - أما الصاحبُ فأنت أدرى بمن يوافقُك ، وأمَّا حليبُ الإبل ، فعليَّ إن شاء الله.
    لم نُوَفَّقْ لاصطحابِ أحدٍ معنا ، فسِرْنا صباحاً ، لم يَكُنْ مطلوباً منِّي سوى فراشٍ وغطاءٍ لنفسي ، أمَّا بقيَّةُ العدة فقد تَكَفَلَ بها عبدُ السلامِ : برميلانِ من الماءِ أحدُهما عذبٌ مُصَفَّى لشرابِنا وأكلنا وشاهينا ، والثاني من ماء الحنفيات العادي للوضوء وغسلِ الأواني ، و لوازِمُ أُخْرَى كثيرةً ، أَعَدَّ لها الرفيقُ صندوقاً خاصّاً يحويها ويجمعُها .

    المسير :
    سيارتُه الداتسون القديمة بها أيضاً كلّ لوازمِ السفرِ ، وبها عجلتان احتياطيتان ، وعِدّةُ مفاتيحَ وأشياء معها لمواجهةِ أيِّ عطلٍ طارئٍ .
    اتَّجَهَتْ بنا السيارةُ نحو وادي سوف الجين ، أكبرِ وديان ليبيا تقريبا ، يمتدُّ أعلاه - وكل الوديان في غرب ليبيا إن قلت : أعلَى : فإنهم بقصدون به ناحية الغرب ، والأسفل : في اتجاه الشرق - بمحاذاة نسمة ومزدة وغريان ويسير جنوب بني وليد ثمَّ يخترقُ السدادة ، وينتهي به مطافُه في البحر الأبيض المتوسط بالقربِ من تاورغاء ، طوله يبلغُ مئات الكيلومترات ، وجمع مع الطولِ العظيمِ ، اتِّساعَ عَرْضِهِ ، وقد يبلُغُ في بعض الأماكن عشراتِ الكيومترات ، وهو لشدة عرضه ، يصعبُ أن تَجْري فيه السيولُ ، لكنَّه إِنْ سالَ ، استبشرَ بسيلِه الناسُ في كلِّ الأماكنِ القريبةِ ، والصّابةُ فيه ( الصّابةُ : خصبُ الزرع ، وشدةُ نمائه ) غريبةٌ عجيبةٌ ، تُرْوَى عنها حكاياتٌ يصعبُ تصديقُها .
    اقتربتْ بنا السيّارةُ من ( القلعة )[ ينطقها العوام بضم القاف ، وتسكين اللام ] ، وهي جبلٌ عظيمٌ شديدُ الارتفاع ، في أعلاه مقام الوليّ الصالح سيدي امبارك ، يتّخِذهُ الناسُ مزاراً ، وفي القلعةِ أخاديدُ عظيمةُ يعيشُ فيها الودَّان ( الوعلُ البرِّيُّ ) ، وحول جبل القلعة تُوجَدُ بعضُ القُورِ الصغيرةِ المحيطة به ، والقورُ : جبالٌ صخريّةٌ صغيرةٌ ، وهنا ذكرت قول كعب بن زهير :
    كأَنَّ أوْبَ ذِراعيْها وقد عرِقَتْ * وقد تَلَفَّعَ بِالقُـورِ العسـاقيلُ
    شَدَّ النّهارِ ، ذراعا عَيْطَلٍ نَصِفٍ * قامَتْ ، فجاوبَها نُكْدٌ مثاكِيلُ
    وهذا من التشبيه المقلوب ، لأَنَّ القُور هي التي تَلَفَّعَتْ بالعساقيل ، والعساقيلُ : السراب.
    يُقابِلُ جبل القلعة ِ سلسلةُ جبالٍ مُتّصِلَةٍ عظيمةٍ ، يُسَمِّيها الناسُ : دور سوف الجين ، وأظُنُّ أَنَّ سبب تسميتِها دوراً أنها دائِرةٌ بوادي سوف الجين ، مُحيطةٌ به .
    حسِبْتُ أَنَّ عبدَ السلام سيسيرُ نحوَ القلعة لكنّه سارَ بِاتِّجاهِ جنوبِها إلى الدور ، ثم ظهر لنا بين القلعةِ والدور اتساعٌ وانفراجٌ وكنتُ أَراهما من بعيدٍ كالمُتَّصِلَيْنِ ،
    - هذا وادي الْمَخْرَم ، بين الجبلين العظيميْن ، بين الدور ، وسوف الجين .
    - إنَّها تسميةٌ عربيّةٌ فصيحة ، فهذا الوادي يبدو كالخُرْمِ في وسطِ هذه الجبال ، والاشتقاقُ سليمٌ بالنسبة للعربية .
    - هل تَشُكُّ في عربيَّتِنا ؟
    - ليس لذلك ، ولكنّي أرتاب في مُسَمَّى سوف الجين ، سمعتُ أنَّها تسميةٌ بربرية ، وأنَّها تعني في لغة البربر : وادي البطُّوم ( البطوم : شجرٌ صحراوي ، يُشبِه الزيتون ، وله حَبٌّ صغيرٌ جدا فيه زيتٌ ، يقضمه الناسُ ويتَّخِذونه تسليةً ، كما يفعلون اليوم بالبندق والفستق والسامينسا ) ، ولعلَّ تسميةَ سوف الجين جاءت من أجزائه العليا حيثُ يقتربُ من جبل نفوسه ، وأماكن تواجد البربر .
    - في العامية يَدَّعون أن تسمية سوف الجين مُحَرَّفةٌ عن كلمتي : شوف ( انظر ) الزَّيْن .
    - ربَّما ، أو لستُ مقتنعاً بهذا السببِ الأخير.
    وادي المخرم وادٍ عريضٌ أيضاً ، صحيحٌ أَنَّهُ يبدو في مدخلِهِ ، كخُرْمِ إبرةٍ بين الجبال ، لكن ما إنْ تَتَجاوزْ مدخلَه حتَّى يبدو لك اتساعُه ، وخِصْبُه ، الطريقُ ليستْ سيئةً هنا ، فالأرضُ ليستْ صخريّة ، بل هي أقربُ للطينية .
    - انظُرْ هل تَرَى إِبِلاً ؟ فإنَّ نظري كليلٌ !
    - لا أَرى إِبِلاً في مَدَى بصري .
    - أَظُنُّك لا تعرِفُ كيف تَرَى ، إِنَّك ستراها من بعيدٍ كأَنَّها نُقَطٌ سوداءُ تنتشِرُ في الوادي ، فَأَعِدْ نظراً .
    أعدتُ النظرَ .
    - نعم ، أَرَى مِنْ بعيدٍ نُقَطاً سوداء .
    - لعلَّ ما رأيته شجر سِدرٍ !
    - وما يُدريني !
    - انظُر ، وثَبِّتْ نَظَرَك ، فإِنْ تَحَرَّكَت النُّقَطُ السوداءُ فهي إِبِلٌ ، وإِلاَّ فهي شجر .
    مَنْ لم يَعْتَدِ الصحراءَ والباديةَ ، قد يُسْرِعُ إليه الخيالُ ، ويُغْويه السرابُ ، ويختلِطُ عليه الأمرُ ، وبعدَ نظرٍ وتَثَبُّتٍ قلت له : نعم إنها نُقَطٌ تتحَرَّك .
    - أَتُرانا نَجِدُ عند راعيها حليباً .
    - خُذْ مِنِّي هذه ، إِنْ وَجَدْتَ الإبِلَ مُشَمَّلةً ففيها حليبٌ ، وإلاَّ فلا ، ( الشمال : كالخُرْج الصغير يُوضعُ حول ضرعِ الناقةِ ، ويُشَدُّ بِخُيُوطٍ على سنامِها ، ورُبَّما جعلوا حولَ السَّنامِ قِطعةً من كيسِ العلفِ تُنْقَبُ مِنْ أعلاها ، فتخرجُ من الكيس ذروةُ السنام ، ويُشَدُّ الخرج الذي على الضرع بخيوطٍ تُثَبَّتُ على الكيس حولَ السنامِ ) ، ووجودُ كيس العلفِ مشدوداً على السنامِ دليلٌ على أنَّ الناقةَ مُعَدَّةٌ للحلب ، وهم يجعلون لها الشمال ، لئلاَّ يرضعها الحوارُ فلا يُبْقي لهم شيئاً مِن لبنها ، فهم يَحْبِسون عليها حليبَها لينالوا منه مع الحوار .
    التقينا الإبِلَ وراعيَها ، أَنَاخَ علينا زُومالَهُ ( والزومالة : لفظةٌ عربيَّةُ فصيحةٌ ، وتعني الجمل القويَّ ، الذي يَشُدُّ عليه الراعي متاعَهُ وأغراضَه ، ويركبُهُ للحاقِ بالإبِلِ ورعيِها ، وربَّما كانت الزومالةُ ناقةً بمواصفات الجمل السابقة ) ، تَسَرَّعتُ فَسَأَلْتُ الراعي : هل عندك من لبن ؟
    - لا ، إني مؤتمنٌ ولستُ بساقيكم ، وقد أَمَرني صاحبي أنْ لا أسقيَ أحداً إلا بإذنه.
    - هل رأيتَ راعيَ إبلٍ هنا ، اسمُه : لزم ؟
    - نعم هو في تلك الناحية .
    - تصحبك السلامةَ ، قل لي لِمَن إبلُك ؟
    - هي لفلان .
    - ما رأيتُ أشدُّ بُخلاً من رجلٍ يمنعُ حليب إِبِلِه في الصحراء ، والناسُ هنا نادِرُو الوجودِ ، فكيفَ لو كان البشرُ كثيرين في البادية ؟! ، أَرى أنَّ هذا الرجلَ لو استطاع أن يمنع عن الناسِ الهواءَ لفعل ، أتعرفُ صاحبَها ؟
    - أليس ذلك الرجلُ المسؤولُ في بلدِنا ؟
    - نعم هو كذلك ، وهو دعِيٌّ على الباديةِ وأخلاقِِها اتَّخذَ له إبلاً للتباهي والتفاخر ، وهو سرق الأموالَ من الناس ، قاتله اللهُ !
    - تبييضُ أموال .
    - ماذا تعني هذه الكلمةُ ؟
    - ما عليك منها ، كلمةٌ مُهَذَّبةٌ يُطْلِقُونها على السُّراق . نستغفرُ اللهَ في حقِّه .
    - هذه لا تستغفِرْ منها.
    - إِنْ كانَ فيه ما تقولُ فقد اغْتَبْتَه ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ فيه ما تقولُ فقد بَهَّتَّه .
    - لا غيبةَ في فاسق .
    - دعنا منه .

    لقاء الإبل :
    ومضَيْنا نَطْلُبُ لَزْماً ، قال لنا الراعي إنّه في اتجاه الشمال ، فأخذنا ناحيتَه ، وما زالتِ السيارةُ تمضي بنا حتى وجدناه ، فأتانا :
    - مرحبا بكما .
    - وبك .
    - أين إبلُكَ ؟
    - هي ههنا ، غير بعيد .
    - اذهبْ فأتِ بها ، فإنا مشتاقون لرؤيتِها .
    ذهبَ الراعي يجمعُ إِبِلَهُ ، ويسوقُها نحوَنا .
    - يا عبدَ السلامِ ، لعلَّكَ كلَّفْتَ الرجُلَ شططاً ، دعِ الرجلَ وإبِلَه ، ما حاجتُنا بها الساعةَ ؟
    لم يكن عبدُ السلامِ قد أخبرني وقتَها أنَّهُ مالكُ الإبلِ ، وكنت أظنُّها لبعضِ أصحابِه ، وما أعْلمني بذلك إلاَّ عندَ أوبتِنا ، والغريبُ أنَّ راعيَه لزماً تعاطَى معه التعميةَ عليَّ طيلةَ مُقامِنا عنده ، فقد أخبرتُ لزماً بالراعي الذي منعهُ صاحبُهُ من بَذْلِ اللبن ، قال لزم : أمَّا أنا فواللهِ لا أَرْعَى على أحدٍ يمنعُ طارقاً أو ضيفاً اللبنَ أبداً ، ولو طلبَ مني صاحبي مثلَ ما كُلِفَ ذلك الراعي ما أطعتُه ، وما رعيتُ له قطُّ .
    - أَتُراهما اجتمعا في اللؤم ؟
    - لا لومَ إلا على صاحبِ الإبل .
    قال لي عبدُ السلام : إِنَّ بي شوقاً عظيماً لرؤية الإبل من قريبٍ ، إنَّها مخلوقٌ عجيبٌ محبوبٌ ، أَلاَ تَرَى أنَّكَ إذا مرَّتْ بك ، أو رأَيْتَها محمولةً في سيارةٍ ، فلا بُدَّ أن تنظُرَ إليها ، حتى تغيب .
    - ليس ذلك بالضرورة . رُبَّما مرَّتْ فلا ألتَفِتُ إليها ، وأنا رجلٌ كثيرُ الشغلِ في ذهني ، فربَّما انشغلتُ حتَّى عمَّا هو أغربُ منها .
    - ذلك غريبٌ من طبعِك . ما كنتُ أحسِبُ أنَّ على الأرضِ إنساناً ، تَمُرُّ بِه الإبلُ فلا يَلْتَفِتُ إليها !
    يستحسنُ بنا أن نضع أمتعتنا عند هذه الشجرةَ .
    ولَمَّا وضعتُ المتاعَ ، وأنزَلْتُ لوازمَنا ، قال لي :
    - إنَّ الظِِّلَّ سينقلبُ بعدَ قليلٍ إلى الناحيةِ الأُخرى فضع الأشياء هناك .
    وأراحَ علينا الراعي الإبلَ ، فقام صاحبُنا يتفقّدُها ، ويسيرُ بينها ، ثمّ قال لراعيه ، ما تأكلُ الإبلُ هنا ؟
    - الضمران .
    أشار إليَّ بشجر الضمران ، الذي يتنشرُ في هذا الوادي كثيرٌ ، لكنْ ذهبتْ خضرتُه ، وبدا يَبِساً .
    - نسألُ اللهَ الغيثَ النافعَ فهذا الضمرانُ لن يُشْبِعَها إلا قليلاً .
    - آمين يا لزم.
    - والآنَ هل سننالُ من الحليبِ يا لزم ؟
    - ليسَ الآنَ ، يا أخاهُ ، إِنَّ الإبلَ لا تُحْلبُ إلا في الصباحِ الباكرِ ، أو في آخر العشيِّ ، ثُمَّ إِنَّ الإبلَ لا تَدُرُّ لبنَها حتَّى يأتيَها حوارُها ، وعند ذاك ننتهزُ الفرصةَ فنأخُذُ منها ، والحقَّ أقولُ لكم ، إنَّ الضمرانَ هنا لا يُشْبِعُ الإبلَ كثيراً ، وأخافُ إنْ أكثرتُ لكما الحلبَ أنْ تَهْْزُلَ فِصالُها.
    - حاجتُنا يسيرةٌ ، هي بقدرِ شرابِنا فقط .
    - أبشِرا ، عندَ الغروب .
    انشغلْنا بإعداد إفطارِنا ، ثمَّ أخذنا جولةً في الوادي ، خضنا فيها رمالَه ، وحاذَيْنا دور سوف الجين ، ووصَلنا إلى قريبٍ من القلعة، وعند الغروب أراح علينا الراعي إبلَهُ مرَّةً أُخرَى ، وحلبَ لنا وسقانا حتى ارتويْنا ، أخذنا مكانَنا بجانبِ سِدرةٍ عظيمةٍ ، وأرخَى الليلُ سدولَه ، و برَّكَ الراعي الإبلَ مِنْ حولِنا ، ثم استأذنَ فقال : إنه ذاهبٌ لمسامرةِ بعضِ إخوانِه ، قال له عبدُ السلام :
    - لعلَّكَ تُسامرُ راعي فلانٍ ( صاحبِنا آنفاً ) ؟
    - نعم.
    - إنَّ القرينَ بالمُقارِنِ يقتدي .
    - لا تُسْرِفوا في اللومِ على الرجلِ .
    - نعم ، صدقتَ .
    - هل نتركُ لك من العشاءِ ؟
    - إِنْ شئتُما.
    أَخرجَ عبدُ السلامِ كشّافاً صغيراً من سيارته ، ووصلهُ بسلكٍ إلى بطارية السيارة ، وطفِقْنا نُعِدُّ المكرونة ، أصبحنا النقطةَ الوحيدةَ المُضيئةَ في الوادي كُلِّه ، قال عبد السلام : لا أُحِبُّ هذا الضوءَ ، ولولا حاجتُنا لمعرفةِ مقاديرِ الطعامِ ما شغَّلْتُه ، وبعدَ صلاةِ العشاءِ ، قامَ عبدُ السلامِ بإطفاءِ الكشَّافِ ، ومضَى يُعِدُّ الشاي .
    - ليس في الدنيا شيءٌ ألذُّ من شايٍ يُصْنعُ على الحطبِ .
    - ومكرونةٍ على الحطبِ أيضاً .
    - أتعرفُ السببَ ؟ ، إنَّ السببَ يكمُنُ في دُخَانِ الحطبِ نفسِه ، فهو يُعطي نكهةً زائدةً.
    قلت رحِم اللهُ أبا تمّام حيثُ يقول :
    لولا اشتِعالُ النارِ فيما جاوَرَتْ * ما كانَ يُعْرَفُ طيبُ عَرْفِ العُودِ
    السكونُ هنا شديدٌ ، لا تكادُ تسمعُ إلا أصواتاً مُتَقَطِّعةً لكلابٍ بعيدةٍ ، يبدو أنّها تصحبُ راعي غنمٍ في الوادي ، وعند مُضيِّ ساعاتٍ من الليل ، سمعنا أصواتِ عواء الذئابِ ، وبد الصوتُ قريباً جداً ، سألتُ لزماً بعدَ أنْ جاءَ :
    - ألاَ تخشَى الذِّئابَ على إبِلٍِكَ ؟
    - أنتَ لا تعرفُ شيئاً عن البَرِّ ، إِنَّ الناقةَ أقوَى من الذئابِ ، وهي لا تستطيعُ أن تؤذيَها إلا في حالةٍ واحدةٍ ، وهي أن تكونَ الناقةُ في حالة مخاضٍ ، عندها يأتي الذئبُ فيفترسُ حوارَها ، وهو يخرجُ من بطنِها ، فلا تستطيعُ الناقةُ له دفْعاً .
    - وأين بقيّةُ النوقِ ألاَ تدفعُ عنها ؟
    - إنَّك لا تعرفُ ، الناقةُ عندما يأتيها المخاضُ تنفردُ بنفسِها بعيداً عن بقيةِ الإبلِ وعن الناسِ أيضاً ، إنَّ بالنوقِ حياءً عظيماً .
    - سبحان الله !
    بدتْ أصواتُ الذئابِ قريبةً جداً ،سألتُ الراعي :
    - هل الذئابُ قريبةٌ ؟
    - نعم هي حولنا اشتمّتْ رائحةَ الشواءِ واللحم ، فهي قريبةٌ جدا ، ولكن لا تخْشَ هجومَها ، فهي تخافُ الإنسانَ ، إنَّ الإنسانَ هو أشرسُ شيءٍ في هذه الحياةِ ، يهابُهُ كلُّ مَن فيها .
    - سبحان الله ( إنه كان ظلوماً جهولاً ) .
    قلتُ للرجليْن : هل تضمنانِ أنَّ الذئابَ لن تُهاجمَنا ونحن نائمون ؟
    - أمرٌ مستَبْعَدٌ ، وكِّلِ اللهَ.
    - نعم ، ولكنِّي سمعتُ عن غدرِ الذئبِ الشيءَ الكثيرَ ، وماذا عن الحيَّاتِ ؟
    - قال لزم : وجدتُ أثرَها قريباً في هذه المنطقةِ .
    - دعِ الرجلَ ينامُ بسلامٍ يا لزم ، قال عبدُ السلامِ .
    - سأقرأُ كلَّ ما أعرفُ من تعاويذَ وأذكارٍ ، والحافظُ اللهُ .
    - نعم ، الحافظُ اللهُ .
    كان مجلِسُنا في جلْهةِ الوادي حيثُ نبتعدُ عن بطنِهِ ، ونقتربُ من أعاليه ، البدو لا ينامون ، ولا يجلسون في بطنِ الوادي أبداً ، ذلك أنَّ السيلَ قد يفجؤهم في أيِّ وقتٍ ، قال لي عبدُ السلام :
    - كان لي صديقٌ ابتاع غنماً كثيرةً ، وأتَى بها إلى هذا الوادي قبل سنتيْنِ ربَّما ، زرتُهُ ، فوجدتُه قد عمِلَ زريبتَه ( حظيرةُ الغنم ) في بطن الوادي ، نصحتُه أن يجعلَها في اللَّبَطِ ( طرف الوادي ممَّا يلي الجبل ) ، وقلتُ له : اجعلْها هناك ، حيثُ كان شيوخُنا يفعلون ، فقد كانوا يخشَوْنَ السيل ، فردَّ عليَّ صديقي مُسْتَهْزئاً : السيلُ ! ، وأينَ السيلُ ؟ فلْيأتِ السيلُ ، ولْيَسُقِ الغنمَ ، قال له عبدُ السلامِ : بإذن اللهِ سيأتي السيلُ ، وسيسوقُ الغنمُ ، وفي يومٍ صاحٍ نهارُه ، ركِبَ السحابُ السماءَ عشيّةً ، وأرختِ السماءُ سُدُولَها ، وما هي إلا ساعاتٌ ، وإذا بسيلٍ جارفٍ أتى على غنَمِ الرجلِ المُعانِد ، فاستاقها كلَّها ، ولم يُبْقِ له شيئاً .
    - لا حولَ ولا قوّةَ إلا بالله العليِّ العظيم . وإنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون ، إِنَّ في ذلك لعبرةٌ.

    المبيت :
    ربَّما لا يُتاحُ للمرءِ من أمثالِنا سكانِ المُدُنِ الذين لا يخرجون إلى البادية إلا قليلاً ، أن يناموا على الهيئةِ التي نِمْنا عليها ، نلتحفُ السماءَ ونفترشُ الأرضَ ، وكلُّ ما حولَك فإنًّما هو فضاءٌ رهيبٌ ، يمتدُّ إلى حدِّ نظرِ العين ، يأتيك النومُ باكراً جداً ، غالبتُ النعاسَ ، ولمَّا نظرتُ إلى الساعةِ ، وجدتُها قريباً من التاسعةِ ، لا أذكر أني نمتُ الساعةَ التاسعةَ من قبلُ ، اللهمَّ إلا في أيامِ الطفولةِ ! ، ولكن لا عجبَ ، فهنا في وادي المخرم ، لا ضجيجَ ولا صوتَ تلفزيونَ ، ولا صوتَ بشرٍ ، ولا شيءَ سِوى همساتِ ليلٍ بهيمٍ ، السماءُ ونجومُها من فوقِنا ، والغبراءُ من تحتنا ، والغريبُ أيضاً أني استيقظتُ في الساعة الرابعةِ فجراً ، وقد شبِعْتُ تماماً من النومِ ، وكأنني نمتُ يوماً كاملاً ، الفجر يؤذِّنُ في الساعة السادسةِ فجراً ، فنحن في الشهر الحادي عشر من السنة الشمسية . انتظرتُ كثيراً حتّى طلع الفجرُ ، والآنَ فقط ، علمتُ لماذا يستيقِظُ أهلُ الباديةِ باكراً ، إنه الهدوء العجيبُ وراحةُ الدماغِ والحواسِ من أي إرهاقٍ سمعيِّ أو بصري .
    قام عبدُ السلام يؤذِّنُ عند الفجر ، ولم يكن ليدعَ لي الأذان أبداً ، قال لي : إنه لا يؤثرُ بالأذانِ في الصحراء أحداً ، وقام لزم بحلب النوقِ بعد أن أدّينا صلاة الصبح ، قلت للزم :
    - إنك لمحظوظٌ بهذا الحليب ، يكفيك غداءً وعشاءً .
    - لا أحدَ يستطيعُ العيشَ على الحليبِ وحدَه .
    وهنا تدخَّلَ عبدُ السلامِ ، حليبُ النوقِ يكفيكَ إن شئتَ ، لا تموتُ وأنت بجانِبِه ، لكنك لن تنال شهوتَك وغايتَك من الطعامِ والشرابِ ، وسبحان من جعل في هذه الدنيا منهما صنوفاً كثيرةً ، حكى لنا الشيوخُ من أهلِنا : إنَّ رجلاً منهم خرج في إثرِ إبلٍ له ضَلَّتْ ، ثمَّ وجَدَها قدِ ارْتَعَتْ مرعىً خصباً ، فأقامَ معها فيه سنةً كاملةً ، نفد فيها زادُه ، ولم يبقَ له شيءٌ يقتات منه إلا حليب النوق ، والماء القراح ، كانت زادَه خلال ذلك العام ، ثُمَّ رجع بها إلى أهلِه ، فلم يستطع إساغةَ الطعامِ ، فقد رقَّ حَلْقُه جداً ، وانضمَّ بعضُهُ إلى بعضٍ ، فما استطاع أن يستمرئ شيئاً ، فكانوا يُلِينُونَ له الطعامَ ، وخاصةً البازين منه جدا حتى يبدو كالسائلِ ، ويُعطُونَه إياه ، حتى استطاعَ بعدَ لأْيٍ أن يأكُل .
    - سبحان الله .
    إلى وادٍ آخر :
    بعد أن تناولنا إفطارَنا ، اتَّفقَ لزم ، وصاحبُ الإبلِ على تغيير المرعَى ، وطلب منه عبدُ السلام أن يسير بها إلى وادٍ آخر ، فضرَبَ لزم في أعقابِ الإبلِ بسوطٍ طويلٍ صنعَهُ من بقايا عجل السياراتِ ، وثبّتَ أصلَه في عصاً غليظةٍ ، وراحَ وراءها يحذوها نحوَ الوادي المنشود ، قلتُ للزم :
    - مالَكَ لا تركبُ الزُّومالة ؟
    - إنَّ صاحبَك أعطاني ناقةً ثِلبةً ( كبيرةً في السن ) جعلَها زومالة ، وهي لا تُطيق سيرَ الحقة ولا الجذعة ولا ابن اللبون ، فأنا أكتفي منها بحمل أثقالي ، ولا أرجو أن تحملني معها .
    عجِبْتُ لسيرِ لزم و إبله ، سار أمامَنا بإبله مُهَرْولاً وراءها ، وما هي إلا هنيهاتٌ قلائلُ
    تمضي حتى وجدناه قد قطع بها ما يربو عن خمسة وعشرين كيلومترا ، وقد جرَّبْتُ صعودَ بعضِ هضابِ الجبلِ والنزولِ منه في وقتٍ يُقاربُ ثلثَ ساعةٍ فكادَ أنْ ينقطِعَ أبهري ، فسبحانَ اللهِ كم أفسدَتْنا هذه الحضارةُ ، فلا نكادُ نقضي من أمورِنا شيئاً إلا راكبين سياراتنا !
    وبينما استمرَّ لزم في اطرادِ إبلِه مِلْنا نحن ، إلى شعاب الوادي نجولُ فيها ، ونتفقّدُ معالِمَها ، ثم انتهينا إلى فسكية كبيرةٍ ، والفسكية : خزّانُ ماءٍ أرضيٍّ ، تُبْنى من الخرسانة المُسَلَّحة ، تجتمعُ فيها مياهُ الأمطارِ ، ذلك أنَّها تُجعلُ في حاشية الوادي مِمَّا يلي الجبل ، فإذا نزلت مياهُ الأمطارِ من سفوحِ الجبلِ فإنَّها تهوِي إليها ، وللفسكية رقّادتانِ ، والرقَّادة : بناءٌ مستطيلٌ في باطنِ الأرضِ، يُجعل قبل الفسكية ، يكون هو المُجَمِّعُ لمياهِ الأمطارِ أولاً ، ثُمَّ تفيضُ منه مياهُ الأمطارِ إلى الفسكية الرئيسة ، وفائدةُ الرّقّادةِ أنّها تُصفِّي الماء النازل من الجبلِ من الحَصَى ، و العَذَفِ ، والشوائبِ ، فهي تَرْقُدُ فيها ، ويخرُجُ منها الماءُ إلى الفسكية خالياً منها، وللفسكية في أعلاها مخرجٌ للماءِ لتصريفِه إذا ما فاضَ عنها.
    - هذه فسكية عمِّك رمضان الوتوات .
    - رجلٌ شهمٌ كريمٌ .
    - سنشربُ منها ونحتملُ .
    - بدون إذنه ؟
    - الناسُ في البادية أفضلُ مِمَّا تظُنُّ ، إنَّك لو أخبرتَه أنَّك وردتَ ماءَه ، ثمّ تركتَ الشرابَ منه لأنّك لم تستأذِنْهُ قبلاً لغَضِبَ منك ولمقتَك .
    وأذكرُ أني التقيتُ الحاج رمضان الوتوات بعدَها بمدة ، فقلتُ له : نستسمحك ياعم في ما فعلنا من ورودِ مائك بغيرِ إذنك ، فقال :
    - إنَّ لها ثلاثةَ أبوابٍ ، وللرقّادتيْنِ بابيْن ، فمجموعُ أبوابِِها خمسةٌ.
    - صدقتَ يا عمَّاه قد رأيتُ ذلك .
    - هل وجدتَ على أحدِها قُفْلاً ؟ أو سلسلةً أو ما شابه ؟
    - لا .
    - يا بُنَيَّ لو أردتُ منعَها لأقفلتُها ، وماؤها صدقةٌ لوجهِ اللهِ تعالَى ، وقد بلغني أنّ فلاناً سقَى عليها ثمانمئة ناقةٍ ، فما ازْدَدْتُ بذلك إلا سروراً .
    - جزاك اللهُ خيراً يا عماه ، صدقةٌ جاريةٌ مقبولةٌ إن شاء الله .
    الفسكية كبيرةٌ جدا ، وأخبرني الحاج رمضان أنّّ خزانيْنِ من تلك المحمولة على الشاحناتِ إنْ صُبِبْنَ فيها فإنَّ الدلوَ لا يمتلئُ منها، لأنَّ ماءَ الخزّانيْنِ لا يكونُ له عمقٌ فيها ( ولعلَّ في ذلك بعضَ مبالغة ) .
    بعثنا الدلاءَ واستقينا الماء وتوضّأنا وارتوينا من ماءِ السماءِ العذبِ ، ولا أدري كيف علمتْ بنا الطيورُ فأقبلَتْ من حيثُ لا ندري تشربُ من بقيّة مائنا ، فسكبنا لها دلواً من الماء ، وانسابتْ حيّةٌ بالقربِ مني ، لعلَّ بها عطشاً أيضاً ، لم أنزعِجْ لها ، ثمّ أخبرتُ رفيقي ، فقال :
    - لِمَ لَمْ تَقْتُلْها ؟
    - ما كان بي لذلك رغبةٌ ، وما فائدةُ قتلِ حيّةٍ واحدةٍ في وادٍ كثيرِ الحياتِ ، كما تزْعُم ؟
    - إنَّنا في الباديةِ نقتُلُها ، كذلك نقتلُ كلَّ شيءٍ مؤذٍ .
    انطلقنا نتبعُ آثارَ لزم ، إنَّنا نسيرُ باتجاهِ الطريقِ الذي دخلْنا منه لوادي المخرم ، ثمَّ اتَّجَهْنا قبلةً ( جنوباً ) فإذا بدور سوف الجين العظيم يُقابلُنا ، وإذا بلزم قريباً منا يَتْبَعُ إِبِلَه ، قال لي لزم : قد ملأتُ لك برميلاً يسع خمس لتراتٍ من الحليب في السيارة ، نسيتُ أنْ أُخبِرَك به آنِفا .
    - جزاك اللهُ خيراً.
    - ستجِدُهُ عندما تصلُ إلى بيتك – إن شاء الله – مُتَفَّحاً .
    - ما المُتَفَّحُ يا عبدَ السلامِ ؟
    - إنَّ الحليبَ إذا رابَ ، وكانتْ فيه بعضُ حموضةٍ ، يُسَمّونه ( مُتَفّحاً ) ، وأنا أُفضِّلُ اللبنَ على الحليب ، وأُفَضِّلُهُ باردا ، قد حُفِظَ في الثلاجة ، هناك اللذةُ الحقيقية ، وقد عجِبْتُ منك إذ شربتَ الحليبَ ساخناً من ضرعِ أُمِّه مباشرةً فلم يؤثرْ فيك ، فقد بلغنا أنَّه يُسَبِّبُ الإسهالَ إنْ شُرِبَ على تلك الحالة .
    - الحمد لله على نعمةِ الصحة .
    في مصر يُسَمُّونَ الحليبَ : اللبنَ ، ويسمون اللبنَ : الرائبَ ، وقد وردَ اللفظانِ في العربية ، والظاهرُ أنّ التسمية الصحيحة هي التي يجري عليها الناسُ عندنا ، الحليب قبل أن يَرُوبَ ، واللبن : بعدما يروبُ ويحمضُ قليلا ، وقد ورد في الحديث أنّ بعض أصحابه صلى الله عليه وسلَّم أتاه بلبنٍ ، فقال له : " ألاَ رَوَّبْتَهُ ولو بعود "، والمعنَى : أنَّهم كانوا يجعلونَ على الحليب شيئاً يُغَطُّونه به ، ليسخن ويروب ، فهلاَّ جعلت عليه شيئاً ولو كان عوداً .
    هذا الوادي الذي نقصِدُهُ يسمونه ( نفذ ) ، ينطقون نفذ ، بالمهملة ( نفد ) ، والعادةُ في لهجة غرب ليبيا تركُ الإعجام في الذال والثاء والظاء ، وفي الشرق يعجمون الذال والثاء ، الثاء يعجمونها جيِّداً ، وربما جعلوا الذال ظاء ، كما في قولِهم : هظا ، بمعنى هذا .
    قلت لعبد السلام :
    - أتدري لماذا يسمونه نفذ ؟
    - أراك ستُعلِّمُني أسماء وديانٍ ما رأيتَها قطُّ إلا اليوم ؟
    - نعم ، والحمد لله على ما علّمنا .
    - قُلْ إذن ، فإني لا أدري سببَ التسميةَ .
    - إنهم سمّوْهُ كذلك ، لأنه ينفُذُ بهم إلى ما وراء جبل الدور .
    - نعم فجبل الدور ليست فيه إلا مخارجُ معدودةٌ تخترقُه ، هذا أحدُها .
    - فالتسمية ، عربية صحيحة ، والاشتقاق فيها واضحٌ جدا .
    وقفنا في ( سقَّنَّه ) وهي شعبةٌ تؤدي إلى نفذ ، ولأنها تخترق الجبلَ فإنّ الصخور تكثرُ في جنباتِها ، وقليلٌ رملُها ، كثيرٌ شجرُها ، نصبنا فيها آنيتَنا ، واسترحْنا ، وبعدَ صلاةِ العصر قال لي عبدُ السلام :
    - أتُقيمُ الليلةَ أيضاً أم نرجع ؟
    - أمَّا إذ استشرتني فإني أُريدُ الرجوعَ عن غيرِ مِلالٍ للبَرِّ ، ولكن لحوائجَ أُخَر
    - فالأمر كذلك إن شاء اللهُ .
    صلينا العصر ، ثُمَّ قلتُ له ، وكنا في ذي القعدة 1429 هـ ، ألاَ تَحُجُّ هذا العامَ ؟ قال لي : عندي شغلٌ كثيرٌ ، وبي للمالِ حاجةٌ ، قلتُ له : فادعُ اللهَ أن يرزقني في هذا العامِ حجّةً مبرورةً ، أَمَّنَ على دعائي ، وعند رجوعي من الحج قال لي : ليتني دعوتُ لنفسي كما دعوتَ لنفسِك ، فإني رأيتُ اللهَ قد استجابَ ، قلتُ : الحمدُ لله على توفيقِه لكل طاعة .

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 16, 2017 1:50 am